الرئيسية / المجتمع / خبزي وزيتي عمارة بيتي

خبزي وزيتي عمارة بيتي

لم يثنها البرد القارص و تهاطل الأمطار عن جنيي الزيتون حتى تتمكن من إطعام أولادها السبعة. فهي الكفيلة الوحيدة لهم بعد وفاة زوجها منذ حوالي عشرون سنة.

هي الخالة ياقوتة في عقدها الخامس لكن من يراها يظن أنها تبلغ من العمر تسعون سنة تحملت مسؤولية عائلة تتكون من ثمانية أفراد ومنهم من يدرس في الجامعة اضطرت لجمع الزيتون حتى تطعم أطفالها و تغطي نفقات الدراسة و المنزل .

أحاسيس مزدوجة و متقلبة بدت على ملامح وجهها وهي تحدثنا عن ابنائها الذين تخرجوا جميعهم من الجامعات و كانوا من أنجب الطلاب و أفضلهم وهي تقول ان هذا نتاج سنوات من التعب و الالم الذي عانته منذ وفاة زوجها تاركا لها كومة من اللحم وهي المعيل الوحيد لهم .تقول و الدموع تجمعت في عينيها المرهقتين اللتين رفضتا النزول, يدرك من يراها أنها امرأة عزيزة النفس و مناضلة من أجل فلذات كبدها ولا ترضى الذل و الإهانة و التعويل على الأخرين لإطعام أولادها حيث عملت في كل الاماكن في المنازل

و في الفلاحة و جني الزيتون حتى تتمكن من جمع مليمات قليلة تقسمها بحنكة و تدبير حتى تغطي نفقات المنزل و الدراسة و “الحمد لله اني نجحت بنجاح ابنائي في دراستهم و وفرت لهم كل مستلزماتهم و لو بصفة قليلة“.

الخالة ياقوتة تقطن في منطقة ريفية من ولاية القصرين الكل يعرفها بدماثة أخلاقها و تضحيتها من أجل تربية أطفالها و قد نجحت في تربيتهم و ايصالهم و زوجت البعض منهم لكن فرحتها لم تكتمل لعدم تشغيل أبنائها و بناتها و رغم ذلك فهي فخورة بهم وبنفسها و تقول انها مازالت تثابر و تعمل كل يوم لتكمل رسالتها على أحسن وجه.

موسم جني الزيتون في تونس يتزامن مع فصل الخريف و بداية فصل الشتاء الذي يتميز ببرودة طقسه خاصة في المناطق الحدودية كالقصرين التي تنتمي اليها الخالة ياقوتة و التي قالت أنها في كل موسم جني الزيتون تعد عدتها و تحضر أليات الجني اليدوية لتبدأ في جمع الزيتون و جمع القليل من الأموال .

كبقية نسوة الحي تستفيق الخالة ياقوتة في الصباح الباكر و مع الساعة الخامسة تحديدا لتحضر افطار ابنائها و مع الساعة السادسة تجتمع مع رفيقاتها فيذهبن لإحدى الحقول المجاورة لجمع الزيتون طيلة يوم كامل مقابل حوالي 30 دينار تونسي .

تقول الخالة ياقوتة أنه يصعب جني الزيتون مع برودة الطقس بوسائل بدائية “نستغرق وقتا طويلا في الجني مقابل مبلغ مالي زهيد يمنحه لنا صاحب الحقل رغم وفرة ” الصابة” والمبلغ يتغير بتغير الأشخاص و كمية المحصول وهناك من يمنحنا نقودنا اضافة الى القليل من الزيتون كهبة لنا امتنان لنا بمجهودنا الجبار .

ولكل امرأة في مجموعة الخالة ياقوتة حكايتها لذلك تستغل الاجتماع لتسرد كل واحدة منهن حكايتها مع الزمان و العذاب. لتتفقن في نهاية المطاف ان يجمعهن عامل واحد حول شجرة الزيتون وهو الفقر و الاحتياج و الخصاصة فالزيتون يعصر ليخرج الزيت ونحن نعصر لنخرج المال حتى نطعم أكوام من اللحم الجائع .

الخالة ياقوتة

وفي بعض الاحيان يتناسين تعبهن و معانتهن بالحديث عن بعض الطرائف المضحكة و لكنها تعكس مأساة إمرأة أتعبها الزمان و قهرها الحرمان كسقوط صديقتهم من فوق شجرة زيتون و تعرضها الى كسر على مستوى يدها اليمنى مما اضطرها الى ايقاف نشاطها و خلاص مصاريف العلاج من النقود التي جمعتها في الأيام الماضية .

و في بعض الأوقات تغني لهم الحاجة دلولة أغاني شعبية معروفة بصوتها المرتعش من شدة البرد وهذا ما يخفف عليهن طول نهار كامل تقضيهن النسوة في جني الزيتون.

تبقى مـأساة المرأة الريفية التونسية قائمة ما دمت السلط المحلية و حتى المركزية لا تولي اهتماما كبيرا لها رغم أنها تلعب دورا مهما في ازدهار الاقتصاد من جهة و تربية الاجيال من جهة اخرى.

                                                             ثريا القاسمي

عن admin

شاهد أيضاً

الجفاف يؤثر على صابة الزيتون بسيدي بوزيد

إفتتاح موسم جني الزيتون بولاية سيدي بوزيد وتقديرات الإنتاج بلغت 70 ألف طن. تم يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *